صديق الحسيني القنوجي البخاري
439
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 16 إلى 26 ] وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ( 24 ) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ( 26 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ يعني البسط العراض الفاخرة واحدها زربى وزربية قال أبو عبيدة والفراء الزرابي الطنافس التي لها خمل رقيق واحدها زربية ، وفي القاموس الزرابي النمارق والبسط أو كل ما يبسط ويتكأ عليها : الواحد زربى بالكسر ويضم والمبثوثة المبسوطة قاله قتادة وقال عكرمة بعضها فوق بعض . قال الواحدي ويجوز أن يكون المعنى أنها متفرقة في المجالس ، وبه قال القتيبي ، وقال الفراء مبثوثة كثيرة ، والظاهر أن معنى البث التفريق مع كثره ومنه وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [ البقرة : 164 ] قال القرطبي وغيره هذا أصح . أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ الاستفهام للتقريع والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر كما في نظائره مما مر غير مرة ، والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال عليه ، وكذا ما بعدها ، وقيل الجملة في محل جر على أنها بدل اشتمال من الإبل . والمعنى ينكرون أمر البعث ويستبعدون وقوعه أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي غالب مواشيهم وأكثر ما يشاهدونه من المخلوقات كيف خلقت معدولا عن سنن خلق سائر أنواع الحيوانات على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها ومزيد قوتها وبديع أوصافها . قال أبو عمرو بن العلاء إنما خص الإبل لأنها من ذوات الأربع تبرك فتحمل عليها الحمولة ، وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم . قال الزجاج نبههم على عظيم من خلقه قد ذلله للصغير يقوده وينيخه ، وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك فينهض بثقل حمله ، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره فأراهم عظيما من خلقه ليدل بذلك على توحيده . وسئل الحسن عن هذه الآية وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة فقال أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به ، ثم هو خنزير لا يركب ظهره ولا يؤكل لحمه ولا يحلب دره ، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه يأكل النوى والقت ويخرج اللبن ويأخذ الصبي بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها . وقال المبرد : الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب ، وهو خلاف ما ذكره أهل التفسير واللغة .